الخاطرة 27

المشرف 237

الخاطرة 27: العاطفة مطلوبة في الدين مرغوبة، والنافع منها ما ضبط بالشرع، وإلا جمحت بصاحبها فطرحت به بعيدا عن الصواب . ومن ذلك محبة نبينا وسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإن البرهان الصادق عليها هو الاتباع وترك الابتداع، قال الله تعالى: “قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم“. فالنبي لا يعظم إلا بما هو مشروع، بل إن طرق تعظيمه توقيفية، و إلا لاخترع كل واحد ما يظن أنه يعظمه به . قال يحيى بن سعيد: كنا عند علي بن الحسين فجاء قوم من الكوفيين، فقال علي: “يا أهل العراق، أحبونا حب الإسلام، سمعت أبي يقول: “قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “لا ترفعوني فوق قدري، فإن الله اتخذني عبدا قبل أن يتخذني نبيا”، قال سعيد: وبعدما اتخذه نبيا، رواه الحاكم وهو صحيح . كنت أعجب من أن يخطب الإمام يوم الجمعة عند منبره صلى الله عليه وآله وسلم، والناس أمامه يولونه ظهورهم!!، ولا أعلم دليلا على هذا، بل إن الدليل قائم على أن الإمام يخطب حيث يصلي، وربما تأول متأول في هذا الصنيع قول الله تعالى: “لا تقدموا بين يدي الله ورسوله”، وهو بعيد . أما اليوم فعجبت لأمر آخر، وهو أن يصلي الإمام عند منبره صلى الله عليه وآله وسلم، وتترك التوسعة التي إلى جهة القبلة فارغة، فيعطل بذلك وقف أهل الإسلام عن الصلاة فيه، وقد صلى فيه المسلمون منذ عهد الصحابة . صحيح أن هذا الذي أحدث سهل به على الناس الوقوف على قبره بأبي هو وأمي، لكن ذلك ممكن بغير هذا التعطيل . بن حنفية العابدين

الخاطرة 25

المشرف 106

الخاطرة 25: استمعت إلى أحد المرشدين يوجه مريدي الاعتمار وهم على مشارف المدينة يقول لهم: أنتم على مقربة من مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، لقد جئتم لزيارة مسجده الذي هو أحد المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا لها، ولم تأتوا لزيارة قبره، هذا معنى كلامه . ولا أحسب أن أحدا منهم قد اطمأن إلى قوله، ولا فهمه على وجهه، ولو أنه ذكر لهم مع ما قال شيئا من آداب زيارة قبره عليه الصلاة والسلام لأزال عنهم ما استوحشوه من كلامه، ولأوشكوا أن يفهموه . لعل هذا يذكر بما قاله بعض أهل العلم في القديم والحديث عن كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة، إما بقصد استعداء الناس عليه، أو لأنهم لم يفهموا مراده، وهو الفرق بين أن يقصد المسلم بالزيارة القبر، وأن يزار القبر ممن أتى المسجد النبوي، ولا أحسب أن أحدا يخالف في الأخير، فقالوا عنه أنه خالف الإجماع بإنكاره الزيارة!! . وقد أشار الباجي في منتقاه إلى ما يقرب من هذا المعنى حين قال: “… إذا علق مشيه بالمدينة؛ لا يتعلق به النذر، إلا أن ينوي المسجد للصلاة…”، قاله في شرحه الموطإ عند شرحه لحديث: “من نذر أن يطيع الله فليطعه…”. واصبر إن ذكرت لك هذين البيتين اللذين قد يكون في فهمهما بعض الغموض، مع أنهما في بيان خطر غموض الحق على الدعوة، إذ يقلل ناصرها، وقد ينفر الناس منها: غموض الحق حين تلوذ عنه** يقلل ناصر الخصم المحق!! ** تضل عن الدليل فهوم قوم ** فتقضي للمجل على المدق !!

الخاطرة 23

المشرف 108

الخاطرة 23: تمارس أمريكا منذ عقود مهمة الخصم والحكم في سعيها الكاذب الماكر للتوفيق بين الفلسطينين واليهود الغاصبين، ومع أن هذا واضح وضوح الشمس في رابعة النهار، فقد تجاهلناه(!)، وما زالنا نجاري هذه الدولة الظالمة العاتية التي تجمع بين المتناقضات في صلتها بالعرب والمسلمين . وقد أزالت ما بقي من الأقنعة عن وجهها القبيح بقرارها نقل سفارتها إلى مدينة القدس، فانتهى بذلك ما كان يعتمد عليه من قبلوا وساطتها في السلطة الفلسطينية، فنفضوا أيديهم منها، وهو موقف لم يسبق له مثيل، فلعل دول المسلمين تتشجع فتكتشف قوتها !! . وها هي أمريكا تدعو إلى اجتماع لمعالجة حصار غزة بعد أن أيدت العدوان عليها، بل شاركت في تدميرها وحصارها، فسرنا أن يجمع الفلسطينيون على مقاطعة دعوتها سلطة وغيرها، وإن كان حريا بهم أن يكون هذا هو موقفهم من كل الاجتماعات التي تداعى إليها من دمروا بلدهم ليعيدوا بناءه بمال الدول المانحة (!!) كما يزعمون، ثم لم يفعلوا شيئا، ولو فعلوا فلصالح اقتصادهم وشركاتهم وسياستهم وهيمنتهم، وفي المثل الشعبي(ادخل يا مبارك، بحمارك!!)، ومن أمثال العرب (تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها)، وقيل: الموت أسهل عندي ** بين القنا والأسنه والخيل تجري سراعا ** مقطعات الأعنه من أن يكون لنذل ** علي فضل ومنه أعلم أن دول المسلمين مستضعفة أنواعا من الاستضعاف، فأنى لها أن تقارع أمريكا؟، بل من دونها من الدول التي هي في مستواها؟، ولكن ما دون ذلك من المواقف الحازمة الجازمة ممكن ميسور والله، ولكنها الهزيمة النفسية وحب الدنيا. استحضر حصار المشركين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولصحبه في شعب مكة ثلاث سنوات فما لانت لهم قناة، إلى أن جاء النصر الرباني من حيث لا يحتسبون . وإن شئت مثلا معاصرا فدونك كوبا الشيوعية التي صمدت ردحا من الدهر وما زالت وهي على مرمى حجر من هذه الدولة، ومثلها فنزويلا وكوريا الشمالية، ولا قدوة لنا في الكفار . لا يصح أن تتجاهل دول منطقة الشرق الأوسط السنية هذه اللعبة القذرة التي تمارسها أمريكا وهي تخويفهم بالنظام الشيعي الظالم في إيران كي تبقيهم تحت إبطها، الظاهر أنها لا تزال بهم حتى تفعل بدينهم الأفاعيل، فالأولى لهم أن يتحدثوا مع هذا النظام نفسه، ويتفاهموا معه خير لهم من أن يجمعوا لأنفسهم بين عدوين .

الخاطرة 26

المشرف 101

الخاطرة 26: من طرق الدعوة إلى الله تعالى الجدال، والأصل فيه الترك، لأن الله إنما أذن فيه مقيدا فقال: “وجادلهم بالتي هي أحسن”، وقال: “ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن”. ومما لا بد من معرفته؛ حال من تجادله: أمؤمن هو أم ليس كذلك؟، إذ لا يصح أن يقبل جدال المسلم في قطعيات الدين التي لا يكون مسلما إلا بإقرارها، الا لإزالة شبهة، أو كشف لبس، أو طرد وسوسة . لكن الذي نراه اليوم خلاف هذا، فكثير من المسلمين مفتونون بعلماء الغرب وأقوالهم التي يسعون جهدهم أن يقنعوا بها الناس، ومن ذلك ما جرى حين وفاة (ستيفن هوكنج) من الثناء عليه، بل ترحم عليه بعض المسلمين، وقد نسب إليه القول إن هذا العالم لا حاجة به إلى خالق يدبر أمره، ويكون قيوما عليه، لأن الجاذبية كافيه في انتظامه !!، فهل يطرد هذا الزعم في كل منتظم مضبوط فيقال أن نظامه منه، كالطائرة بدون طيار وما شابهها ؟. لكأن هذه الجاذبية لم تكن معروفة عند القدماء من علماء المسلمين في الجملة، لقد كان بعض أهل العلم يعتبرها عمدا غير مرئية أخذا من قول الله تعالى: “خلق السموات بغير عمد ترونها”، وقد ذكرت مرتين في القرآن، ولأهل العلم فيها قولان: أولهما ليس لها عمد، والثاني أن لها عمدا، لكنها لا ترى !! . ولهذا وقف بعضهم على “عمد”، وبعضهم وصلها، ومما يحتمله الضمير المؤنث أن يعود على عمد، فتكون جملة ترونها صفة لعمد، أي بغير عمد مرئية، وهو مروي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، ورجح ابن كثير خلافه لأنه أكمل دلالة على القدرة، وليس بلازم . وتكلموا على هذا الأمر في قوله تعالى: “إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا”، وقوله تعالى: “ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه”، لكن علماء الغرب أسرى الحس وسجناء المادة، فلهذا لم يهتدوا بما اطلعوا عليه من الأسرار، مع أن تطبيقات كثير من العلوم يتمتع بها معظم الناس ولا يعرفون لها تفسيرا ولا تكييفا ثم لا ينكرونها، وقد قال الله تعالى: “بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه” . إن هذا الانبهار والافتتان بعلماء الغرب راجع إلى عدم معرفة المسلم عقيدته أو لأنها لم ترسخ في نفسه، هو مسلم بالجنسية والمنشإ والتقليد ونحو ذلك، ولأنه لم يترب على العقيدة منذ صباه، وبهذا يفسر كل اضطراب في أعماله الظاهره وشعوره بالنقص والانهزام إزاء حضارة الغرب ومدنيته وعلمائه ومفكريه . وهذا معنى زيادة الإيمان ونقصانه، فإن من لازمه أن الناس فيه درجات: أدناها أن لا يستقر الإيمان في القلب، ومن كان هذا شأنه وإن حكم له بالإسلام فإنه عرضة للفتن وما أكثرها في هذا العصر، فمتى تعرض لها كان على خطر عظيم قد ينتهي به إلى الكفر . وقد ذهب ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ومحمد رشيد رضا إلى أن جمهور المسلمين هم في هذه المنزلة التي قال الله تعالى عنها: “قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم”، وقوله سبحانه : “وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا”، دليل على اعتبار إيمان هؤلاء، وإن كانوا بهذه المنزلة، فلله الحمد والمنة . فعلى علماء المسلمين أن يواجهوا هذا الخطر بالتصدي إلى رد هذه المزاعم، وعلى المسلمين كلهم أن يربوا أولادهم على العقائد الحقة التي لا شيء غيرها من طرق الوقاية نافع في التحصين بعد أن صار العالم كالبيت الواحد .

الخاطرة 24

المشرف 127

الخاطرة 24: إحداث مناصب العمل ينبغي أن يبنى على التقويم الصحيح للحاجة، وهو أمر غير مرعي في بلادنا مع الأسف، ولاسيما في قطاع الخدمات الذي يعتبر غير منتج كما هو مصطلح الاقتصاديين، وقد كان مولود قاسم رحمه الله ينتقد تضخيم هذه المناصب، فيقول وهو المولع بالسجع في السبعينيات: العساس، والكناس، والجباس !! . وما أكثر أسئلة الشباب الذين تسلموا وظائف بصيغة ما قبل التشغيل أو غيرها من غير أن يسند إليهم عمل في الإدارات الرسمية، أو عند الخواص؛ عن حكم أجورهم، ولا شك أنها عودت الكثير منهم البطالة، ولو أعطوا منح العاطلين عن العمل لجنبناهم هذه العادات السيئة، ولسمينا الأشياء بأسمائها. وقد سرني أن بعض المسؤولين يجتهدون في إيجاد شغل للشباب كيفما كان، ومن ذلك أن يشركوا الثلاثة في عمل الواحد: هذا يكتب الوثيقة، والثانى يثبتها في السجل، والثالث يضع عليها الختم، ليمضيها بعد من خول له الإمضاء!! . لكن الذي يستغرب أكثر أن تسجل الزيادة حيث لا حاجة، ويسجل النقص حيث الحاجة، والمثال الذي رأيته اليوم أن يتولى اثنان عملية فحص جوازات سفر المعتمرين وعددهم يناهز المائتين: فيا لك بحرا لم أجد فيه مشربا ** على أن غيري واجد فيه مسبحا !! .

الخاطرة 22

المشرف 118

الخاطرة 22: وحدة المسلمين من مقاصد دينكم العظمى، لهذا أمركم الله تعالى أن تعتصموا بحبل الله جميعا وأن لا تفرقوا، وشرع صلاة الجماعة في المساجد، وكره بعض أهل العلم الجماعة بعد صلاة الإمام الراتب، و أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الثلاثة إذا خرجوا في سفر أن يؤمروا أحدهم، وقال: “عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو مع الإثنين أبعد”، وقال: “يد الله مع الجماعة، وإن الشيطان مع من فارق الجماعة يركض“!! . وكما نهى الشرع عن التفرق في الدين؛ سد الذرائع التي تفضي إليه، حتى بلغ الأمر النهي عن انفراد جماعة بحلقة في المسجد أو خارجه، وإن كانوا لا يريدون بانفرادهم إلا الخير، فكيف إذا وصل الأمر أن لا يغشى تلك الجماعة إلا أفراد معينون كيفما كانت مشاربهم، فإنه إذا كان الداعي إلى تفرد الجماعة أمرا دنيويا فهذا لا يسوغ في المسجد، وإن كان السبب أمرا مشروعا كمذاكرة العلم ففيم انفراد أناس بأعيانهم باستمرار؟، فإنهم وإن لم يكونوا ذوي نزعة خاصة فإن الانفراد المستمر ينشئ تلك النزعة، أما إن كانت موجودة فإنه يقويها، وقد انضاف إلى هذا من يدعون في عقود النكاح وغيرها من المناسبات !! . نفسي تسكن إلى من يوافقها، وتميل إلى من يشاكلها، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف”، ودوائر الائتلاف والاختلاف متفاوتة، لكن هذا الذي ترتاح إليه النفس، ويتمناه المرء ليس هو الذي تقام عليه الدعوة إلى الله . فإياك أيها الداعي أن تنشئ بدعوتك فئة، وابتعادك عن هذا المسلك لا يعني تخليك عن الحق الذي تحمله وتدعو إليه إخوانك المسلمين . اقرأ ما رواه مسلم من جملة حديث جابر بن سمرة قال: “خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرآنا حلقا فقال: “ما لي أراكم عزين”؟!!، الحديث، وهو في سنن أبي داود، ورواه ابن حبان من حديث أبي هريرة ولفظه “خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أصحابه وهم في المسجد جلوس حلقا حلقا فقال: فذكره، وترجم عليه بقوله “ما نهي عن فعله في المسجد”، ومعنى “عزين” متفرقين مختلفين لا يجمعكم مجلس واحد . وروى أبو داود عن أبي ثعلبة الخشني قال: ” كان الناس إذا نزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منزلا تفرقوا في الشعاب والأودية، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “إن تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان”، فلم ينزل بعد ذلك منزلا إلا انضم بعضهم إلى بعض، حتى يقال: “لو بسط عليهم ثوب لعمهم”!، وترجم عليه بقوله: ما يؤمر من انضمام العسكر، وترجمته عند ابن حبان هي: كيف النزول في المنازل؟. ولك أن تتساءل عما كان يتحدث فيه الصحابة إذا تفرقوا حلقا؟، أيكون فيه مشاقة أو كيد أو مكر أو إشاعة اخبار ضارة؟، كل ذلك مستبعد إلا على المنافقين، والصحابة لم يكونوا فئات، ومع ذلك كان هذا التشديد في تعدد الحلق لغير مصلحة، لأنه سبيل الفرقة .